|   

النسخة: الورقية - دولي

أمسك السوريون– من كل المشارب والمنابت– وردة، يقطفون بتلاتها بتلة، بتلة، ويرددون، كالعشّاق، «سيضرب. لن يضرب. سيضرب. لن يضرب»! البتلة الأخيرة هي ما سيحدّد مصير الضربة الأميركية على سورية. الرئيس دونالد ترامب نفسه هو من جعل السوريين يعتمدون على التخمين وضرب المندل. في تغريدة صباحية يقول: «روسيا تتوعد بإسقاط الصواريخ الأميركية. عليك يا روسيا أن تستعدّي للصواريخ التي ستنهال على سورية، لأنها ستكون صواريخ جديدة وذكية! لا يجب أن تكونوا شركاء لمن يقتل شعبه بالغاز، الحيوان الذي يقتل شعبه ويستمتع بذلك». ثمّ بعد ساعات يغرّد: «لم أحدّد من قبلُ متى ستكون الضربة ضد سورية، قد يكون ذلك قريباً أو غير قريب على الإطلاق».

جزء من قرارات الرئيس ترامب يعتمد على مزاجه. فحين يكون مزاجه رائقاً أثناء مشاهدته برنامج «فوكس والأصدقاء»، يفكر في اتخاذ قرارات تختلف عن تلك التي يتخذها بعد مشاهدته برنامج «Saturday Night Live»، الذي يسخر من الرئيس وسياسته وعلاقاته النسائية المفضوحة.

العامل الآخر الذي يساهم في أخذ ترامب لقراراته هو حجم الضغط عليه من قبل الصحافة والكونغرس والمحقق الخاص روبرت مولر، الذي يتولّى التحقيق في احتمال وقوع تواطوء بين حملة ترامب الانتخابية والحكومة الروسية أثناء انتخابات عام 2016. وفي اليوم الذي اجتمع فيه مع كبار مسؤوليه الأمنيين لمناقشة الردّ الأميركي على ارتكاب الأسد مجزرة كيماوية جديدة ضدّ المدنيين في مدينة دوما قرب دمشق، أغارت دزينة من عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي على سكن محامي الرئيس مايكل كوهين ومكتبه وصادروا حواسبه وهواتفه وأوراقه، بحثاً عن أشياء تخصّ ترامب نفسه. فكرّس ترامب جزءاً كبيراً من وقت الاجتماع لإدانة هذه الحادثة.

الأسد يمدّ لسانه من جديد للأميركان والأوروبيين والأمم المتحدة، ويستخدم من جديد أسلحة محرّمة كان ادعى أنه لم يعد يمتلكها. وهو انتهك اتفاقية حظر الأسلحة الكيماوية نفسها التي وقّع عليها مرغماً العام الفائت. بالمقابل، ترتفع وتنخفض حماسة الغرب، مع ارتفاع صوت ترامب وانخفاضه.

وفي أثناء ذلك، فالسوريون الذين كانوا يتوقعون ضربة قوية لنظام بشار الأسد، فتر حماسهم. وكان بيْن السوريين من بقي طيلة الليل ساهراً خشية أن تحدث الضربة وهو نائم. بالمقابل، الأسد وميليشياته تنفسوا الصعداء، واستغلوا الوقت في نقل طائراتهم وصواريخهم إلى المناطق التي يسيطر عليها الروس والإيرانيون، كما تؤكّد تقارير موثوقة. ثمّ خرج الأسد ليهدد العالم بـ «زعزعة الاستقرار في المنطقة وهو ما يهدد السلم والأمن الدوليين»، وذلك أثناء لقائه مع علي أكبر ولايتي المستشار الأعلى لقائد الثورة الإسلامية الإيرانية للشؤون الدولية وأحد صقور الحكومة الإيرانية.

مشكلة السوريين، على خلاف كل شعوب الأرض، شديدة التركيب والتعقيد، فهم لديهم مشكلة مع نظام الأسد الفاشي الذي قتل شعبه ودمّر ممتلكاتهم وعذّبهم وشرّدهم في كلّ بقاع الأرض، ولديهم مشكلة مع الروس والإيرانيين والميليشيات الطائفية التي تقاتل مع الأسد وتحميه، ولديهم مشكلة مع التطرف الإسلامي الذي شوّه وجه الثورة السورية وألّب الكون ضدّها. لكن مشكلاتهم لا تنتهي هنا، فنتائج الانتخابات الأخيرة في ألمانيا ووجود حكومة قلقة كحكومة تيريزا ماي في المملكة المتحدّة والانتصار الساحق لليمين المتطرف في بعض البلدان الأوروبية وآخرها هنغاريا، وهو يمين شديد الإعجاب ببشار الأسد، كلّ ذلك يجعل حياة السوريين في الداخل والخارج جحيماً متواصلاً. ويتوّج كل هذا وجود الرئيس ترامب في البيت الأبيض.

يتّهم ترامب سلفه باراك أوباما بأنه سبب تعزيز مواقع بشار الأسد والدولة الإسلامية على حدّ سواء، ولكنّه ينسى أنه هو اليوم رئيس الولايات المتحدّة الأميركية وليس أوباما. ومعه في مجلسي الكونغرس أغلبية جمهورية، ويميل خمسة من تسعة أعضاء في المحكمة العليا نحوه. على أن سيرة الرجل وأخلاقه ومزاجيته وتعنّته ورغبته الهائلة في السيطرة ورفضه كلّ أشكال الانتقاد يجعله دائماً في موقع الهجوم. ومنذ أن حلّ الرجل في البيت البيض، طرد (أو تسبب باستقالة) اثنين وعشرين من وزرائه ومستشاريه ومساعديه. وحتى وهو يستعد اليوم لعملية عسكرية قد تكون كبيرة، فهو يقوم بذلك من دون وزير خارجية، بعد أن طرد ريك تيلرسون، ومع مستشار جديد للأمن القومي، جون بولتون، الذي يتمتع بجرأة تصل حدّ الوقاحة، ولكن ينقصه الكثير من الحكمة، بعد أن طرد مستشاره السابق لأمن القومي مكماستر، الذي كان يؤيد بقوة وضع حدّ لفجور الأسد والإيرانيين في سورية.

السوريون في حاجة إلى الجرأة بالتأكيد، في حاجة إلى إدارة أميركية تختلف في السياسة الخارجية عن إدارة الرئيس أوباما، المترددة والجبانة. ولكنهم في حاجة أيضاً إلى الحكمة، التي تضع خطة عمل متكاملة وسياسة منسجمة وواضحة في سورية، تقوم على أساس حقوق الإنسان ومبادئ الديموقراطية والأمن الإقليمي والدولي، بما يحقق ضمناً مصالح أميركا والغرب عموماً.

لذلك، فإن أي ضربة منعزلة فردية يوجهها ترامب للأسد ليحفظ ماء وجهه أو يستعرض عضلاته أو يحشد الشارع الأميركي وراءه أمر مرفوض من قبل معظم السوريين. يريد السوريون المعارضون لنظام الأسد في الداخل والخارج، وهم أكثرية السوريين، ضربات أميركية مترافقة مع استراتيجية سياسية وحركة دبلوماسية عريضة، تؤدي في النهاية إلى رحيل النظام الفاشي في دمشق وقيام مرحلة انتقالية يقوم فيها السوريون بتقرير مصيرهم. ولا يمكن أن يتمّ ذلك من خلال انبطاح الرئيس ترامب أمام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، كما أنه لا يمكن أن يتمّ بعيداً عن التفاهم مع الحكومة الروسية. إن اتباع سياسة العصا والجزرة أمر مهم للغاية هنا. المشكلة أن ملف الرئيس ترامب مع الروس لا يزال شديد الغموض، ولا تزال غيمة احتمال أن يكون تواطأ مع بوتين لإنجاح حملته ووصوله إلى الرئاسة يعكر هذه الإمكانية.

بانتظار ذلك، لم يبق أمام السوريين سوى الانتظار أمام شاشات التلفزيون وشاشات الحواسب والهواتف الذكية، بانتظار خبر ما عن ضربة ما. ولم يبق لديهم سوى الإمساك بوردة وقطف بتلاتها، ليروا على ماذا ستستقرّ البتلة الأخيرة.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة