|   

النسخة: الورقية - دولي

مع تصاعد التوتر الشديد في الصراع حول سورية، وانحباس الأنفاس في ترقب مسار التطورات، سواء في القريب العاجل أو المستقبل، أجد من المفيد التمهيد لمناقشة توقعات هذا المسار، بالبدء بتسليط بعض الضوء على بعض جوانب المشهد الدولي التي أرى أن فهمها ضروري لتبيان أسباب تردي الأوضاع السورية.

1- أول أبعاد هذا المنظور، ما سبق لنا تناوله في مقال سابق، ونعطيه الآن بعض التفصيل، وهو أن الأسباب الرئيسية لامتداد الأزمة وتعقدها، تعود إلى كونها قد أصبحت أحد المحاور الرئيسية، إن لم تكن أبرزها على الإطلاق كساحة للترتيبات الدولية والإقليمية القادمة، وأن العالم يمر بمرحلة زمنية طويلة وفارقة، بين نظام دولي يسيطر عليه القطب الأميركي الواحد إلى نظام دولي جديد قد يكون متعدد الأقطاب، فما يحدث مخاض بالغ الصعوبة لمولد الترتيبات الجديدة بسبب مقاومة الطرف الأميركي لهذه التحولات، وتركيزه الراهن على منع عودة الاتحاد الروسي إلى مكانة دولية رئيسية، ودليل ذلك ردود الفعل المبالغ فيها المصاحبة لأزمة الجاسوس الروسي، والتي لا يمكن أي مراقب موضوعي إنكار أنها كانت ردود فعل عنيفة لحدث، كان يحتمل إجراءات عقابية محدودة ضد روسيا كانت ستحقق إحراجاً للدولة الروسية من دون أن تصل إلى المدى الذي وصلت إليه في هذا الصدد، بمعنى آخر أن الأطراف الغربية الرئيسية، وكذا الحليفة معها، ومن بينها بعض دول غرب أوروبا التي تنظر بقلق شديد تجاه عودة النفوذ الروسي، تستبق هذه العودة وتحاول ابتزازها بشتى الوسائل، وهنا لا ينفصل التصعيد الجاري والخطير حول سورية عن هذا السياق، لبتر هذه التحولات، والنقاش هنا لا يتعلق بأي أبعاد أخلاقية أو قيمية أو إنسانية محيطة بالأزمة السورية من جانب كل الأطراف المتورطة في الصراع، حيث إنه من الواضح أن اللاعبين الرئيسيين كافة ليس لديهم اكتراث حقيقي بهذا الشعب وما يعانيه، وإنما بالسياق الاستراتيجي والدلالات المحيطة بالموقف، وهو توجه هذه الأطراف إلى اعتبار سورية الساحة الرئيسية أو على الأقل الأكثر خطورة في هذا التنافس الشرس، وأن ما سيسفر عنها سيكون له أهمية كبيرة في تشكيل معالم الترتيبات الدولية والإقليمية المستقبلية. أبرز معالم هشاشة الوضع الدولي الراهن إذاً ارتباطه بصعوبة مخاض التحولات وبطئها.

2- على أن المشكلة إلى نتناساها أحياناً، أن النظام الدولي أصلاً وبالضرورة يتسم بقدر كبير من الهشاشة جاءت هذه التحولات لتزيد تعقيدها، ونعني بذلك نظام الأمن الجماعي الدولي الممثل في الأمم المتحدة، ففشل مجلس الأمن المتكرر في قيادة تسوية جادة وإنهاء هذه الأزمة ليس أمراً جديداً، ربما لأننا كعرب أدمنا تحميل هذه المؤسسة الدولية الإخفاق تجاه قضايانا وبشكل خاص القضية الفلسطينية، ونتناسى أيضاً أن إسرائيل بدورها تنظر للأمم المتحدة كعدو منحاز للجانب العربي، ولولا موقف الحليف الأميركي لكان الأمر مختلفاً تماماً، وفي الواقع أن ما تمثله الأمم المتحدة من فشل ونجاح نسبي منذ تأسيسها في ظل الأوضاع الدولية التالية على الحرب العالمية الثانية، أمر لا ينفصل عن إشكالية هذا النظام الجوهرية، ففي مرحلة الحرب الباردة عجزت المنظمة، إلا في حالات قليلة للغاية، عن أن تؤدي دورها في حفظ السلم والأمن الدوليين، ربما كان من أبرز حالات النجاح أزمة السويس عام 1956 بسبب توافق العملاقين الأميركي والروسي على معارضة العدوان الثلاثي، خلاف هذا عجزت الأمم المتحدة عن تسوية أغلب الأزمات، وكانت تتم خارج المنظمة بالتفاهمات الضمنية بين العملاقين آنذاك مثلما حدث في أزمة الصواريخ الكوبية، أو بهزيمة أحدهما كما حدث في المواجهات بينهما بالوكالة في فيتنام وأفغانستان. أما ما بعد الحرب الباردة فتمكنت المنظمة من المساهمة في تسوية بعض الأزمات كما حدث في غزو العراق للكويت، فيما أخفقت أو حققت نجاحاً محدوداً أو نسبياً في حالات أخرى بسب سوء تقدير ونمط التدخلات السلبية القوة الأولى المهيمنة على النظام الدولي أي الولايات المتحدة، أما اليوم فماذا ننتظر بعد عودة الاستقطاب الدولي بحدة، فنظام الأمن الجماعي المبني على مجلس الأمن والمتضمن حق الفيتو يؤدي بالضرورة إلى المشهد الحالي، عندما تكون دولة أو أكثر من الأعضاء دائمي العضوية ضمن الأطراف الرئيسية للصراع، ولأننا كعرب نميل إلى التعميم والأحكام المطلقة، فإنني أؤكد أن ما سبق لا يعني أن العالم سيصبح أفضل من دون الأمم المتحدة، بل العكس سيصبح شديد الخطورة، فهي مازالت تضمن تواصلاً بين الأطراف، فضلاً عن دور المنظمة في إدارة التعاون الدولي والمشاكل العالمية، فضلاً عن دورها المحوري في مسائل الإغاثة الإنسانية وإعادة الإعمار والبناء والاستقرار ما بعد انتهاء الصراعات. خلاصة ما نريد الإشارة إليه أنه رغم هذا الدور المهم الذي لا يمكن التخلي عنه فإن النظام الدولي بالأساس هش، لأن البشرية لم تصل بعد إلى صيغة متكاملة تحتوي تناقض المصالح الدولية واعتبارات السيادة والتوازن الدولي المرتبطة بحق النقض، وأن هذا النظام الدولي قائم على الهشاشة منذ البداية بدرجات متفاوتة.

3- أما الإشكالية الأخرى التي زادت من صعوبة النظام الدولي فهي التراجع الملحوظ في مستويات التفكير الرشيد، والمفارقة هنا أنه على رغم التقدم العلمي الشديد، ومستويات التقدم التكنولوجي غير المسبوقة يعاني العالم تراجعاً ثقافياً واضحاً وتدني مستوى قيادات لافتاً للانتباه عالمياً، فالأجيال التي خرجت من جحيم الحرب العالمية وكانت مسلحة بتراكم خبرات ورؤى استراتيجية أدركت خطورة اندلاع حرب عالمية جديدة بعد ظهور السلاح النووي، ومن ثم تم تركيز الصراع بين الكتلتين على الوكالة واستنزاف الطرف الآخر، ولم نشهد حافي الهاوية إلا في حالتي الأزمتين الكورية ثم الكوبية التي أمكن في النهاية احتواؤهما، وعبر تلك المسيرة الطويلة أخطأ قادة الدول الكبرى وأصابوا، ولكن لم يشهد النظام الدولي تركيبة مشابهة للوضع الراهن، ما بين قادة مغامرين ومقامرين كبوتين وأردوغان وقادة النظام الثوري الإيراني وغيرهم، وقائد أميركي ديماغوجي متقلب المزاج، سريع الانفعال ومحدود الثقافة، وربما لولا بعض العقلاء في الدول الكبرى كالرئيس الصيني وميركل في ألمانيا لأصبحت الأخطار مضاعفة، كما أن من يملك قدراً ضئيلاً من المكر والدهاء دون حكمة كحال دول أوروبية كبرى أخرى يزيد ارتباك المشهد الدولي ولا يحسنه، هنا نجد الكثير من التفاصيل ما يستحق بدوره عرضاً أكثر إسهاباً، ولكن ما يعنينا الآن أن أكثر الفاعلين الدوليين تأثيراً ليسوا من ذوي الحكمة والتفكير الاستراتيجي الذي يقدر الأمور حق قدرها، ومن ثم فإن النتيجة واضحة في زيادة المخاطرة وعدم التأكد التي نشهدها الآن في سورية وربما غداً في دول أو مناطق أخرى، ما لم تتدهور الأوضاع في سورية إلى ما هو أخطر من ذلك، لتمتد الضحايا والمخاطر إلى دول أخرى مجاورة وربما إلى ما هو أبعد من ذلك. وهنا فإن المسؤولية التاريخية ستقع على عاتق هؤلاء القادة غير المؤهلين لهذه المناصب، ولكن هل تُعفى الشعوب من هذه المسؤولية؟

 

 

* كاتب مصري

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة