|   

النسخة: الورقية - دولي

دار نقاش يونسكي بيننا حول مفهوم (الخصوصية) للمكان وللزمان، هل ما زال هذا المفهوم قائماً ومقبولاً حتى اليوم؟!

قال البعض إن هذا مفهومٌ عفى عليه الزمن، وينبغي تجاوزه في هذا العالم المعولم.

آخرون يؤكدون وجوده، بل ضرورة وجوده، أيّاً كان الهدف: دينياً أو اجتماعياً، لأنه سيحمي خاصية التنوع الثقافي، التي تنادي اليونسكو بحمايتها من تشابهات العولمة.

وصفتُ لهم كيف أن أوروبا، منبت الرأسمالية والعلمانية، تُقنّن في بلداتٍ وأحياء عريقة فتح المحلات والمطاعم بما لا يخدش شخصية البلدة أو الحي، وكيف أن الفاتيكان، البلدة الكاثوليكية المقدسة، تحظى باشتراطات مقننة للمباني والمتاجر المحيطة.

تذكرت ذلك مجدداً، عندما اشتعلتْ سلسلة انتقادات واحتجاجات على قرار السماح لسلسلة مطاعم ماكدونالدز فتح فرع لها بجوار ساحة القديس بطرس في قلب الفاتيكان. وقد عمدتْ سلسلة الوجبات السريعة إلى إلغاء الاحتفال بافتتاح الفرع الجديد، كالمتبع دوماً، خشيةً من توسّع موجة الاعتراضات. كما كتب بعض أصحاب الأعمال إلى البابا فرنسيس، يطالبونه بإغلاق المطعم، خشية أن يخلّ بالهوية الفنية والثقافية والاجتماعية للمنطقة (نقلاً عن: يورونيوز).

الحفاظ على (خصوصية) الفاتيكان لم تنحصر عند المظهر الخارجي فقط، بل دخلت في العمق السياسي والدبلوماسي حيث رفض البابا قبول ترشيح السيد جوني إبراهيم سفيراً للبنان لدى الفاتيكان، وذلك بسبب شبهة صلاته بالماسونية، مما اضطر لبنان للتقدّم بمرشح آخر!

لم يكن الرفض الفاتيكاني لترشيح سفير هو الأول، فقد سبق أن رفض، لأسباب أخلاقية، عام ٢٠١٥ مرشح فرنسا لوران ستيفانيني ليكون سفيرها لدى الفاتيكان بسبب شذوذه الجنسي، وبعد مرور تسعة أشهر من التعطيل اضطرت فرنسا لتقديم مرشح بديل.

حدث هذا الموقف الفاتيكاني تجاه دولة أوروبية باتت تعدّ أي ازدراء للمثليين هو عنصرية تستحق التجريم!

(الخصوصية) فقط هي التي استطاعت كبح هذه النزعات الرأسمالية أو الشذوذية، أو على الأقل درءها بعيداً من ساحة الفاتيكان المقدسة.

أسوق هذه الشواهد الثلاثة لأدلّل فقط على أن قانون (الخصوصية) الثقافية مشروع وموجود ومحترم، حتى في أكثر المجتمعات ليبرالية، وهي وسطٌ بين الجمود الذي يمنع التطور وبين الذوبان الذي يُذهب القداسة.

لا ينبغي لمن يفهم الخصوصية فهماً خاطئاً، يؤدي إلى الانغلاق والجمود، أن يمنعنا من فهمها وممارستها على الوجه الصحيح المتوازن.

وإذا كنا قد تورّطنا في زمنٍ استطاعت الثورة التقنية فيه هتك خصوصية الإنسان، فلا أقل من أن نحافظ على خصوصية المكان والزمان.

 

 

* كاتب سعودي.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة