|   

النسخة: الورقية - دولي

أما بعد، أنقل إليك تحيات إخوة لك في السعودية استلّوا التقيّة بعدما أصابهم الذعر، فالحال تغيرت «بثبات» بنيان قواعد اللعبة، التي كنا نراهن على تبدلها بتولي الملك سلمان!

ولعله من حسن الحظ أنه يوجد لديكم مزيد من خطوط الحركة، تسمح بالتحرر من قيود السلطة السياسية، نحو ممارسة حزبية نشطة تخدمون بها قضيتنا الأم، ألا وهي تحريض الشعوب في سبيل تحقيق هدف الجماعة، المتمثل بالانقضاض على كراسي الحكم، الأمر الذي رسمه شيوخ طريقتنا من الثائرين الأوائل.

الأخ العزيز. تعلمون ما مر في حركتنا من تحولات على مدى ثمانين سنة فاتت، تعرض فيها جهدنا إلى أشكال متنوعة من الحروب، ولكننا بتبادل أدوار العمل التنظيمي استطعنا الانسلاخ من ضيق الفشل إلى فسحة البقاء والرسوخ في العــــقول، وبطبيعـــــة الحال، فإن ذلك ما كان ليتحقق لولا أن هناك دولًا كـــانــت السنـــد، بفضــــل تغلغــــل أمثالكم من الإخوة الناشطين في مناحيها في الترويج شعبياً لما فيه مصلحتنا.

ليس سراً أن السعودية ودول الخليج، في خمسينات القرن الماضي وما تلاها من سنواتنا العجاف، كانت الملاذ للحزب، حافظت على بقاياه، ولملمت ما تفرق منه، ما ساهم في بعثه من جديد، قبل أن ينحسر مدّه مرة أخرى إثر «الربيع» العربي، نتيجـــة أخطاء ارتكبناها جميعاً، ساهمت في افتضاح طموحنا السياسي، الذي طالما اجتهدنا في تغطيته بعباءة الدين. فقد تسابقنا بجهالة إلى تسلق ما كنا نعتقدها شجرة الخلود، وقطفــنا ثمرات لم تنضج، جرّح شوكها أيدينا، وغصت بها حلوقنــا، فكان السقوط مدوياً.

لا أدري إن كان إلى الوقوف مرة أخـــرى من سبيل! لكن، وحين لا بدّ مما ليس منه بـــد، وإذ عاجلتنـــا الأزمة الحالية التي أعلنـــت علـــى إثــرها الدول الأربع - السعوديــة والإمارات والبحـــرين ومصر- مقاطعة قطر بضربة قــاصمة، تمثلـــت أولاً بفتــــح الباب أمام الإعلام ليتحدث في ما ظـــل سنوات في حكـــم المسكوت عنه، فكان هجومهم كاسحاً، لــم تستطـــع القنــوات التابعة لنا، وعلى رأسها قناة «الجزيرة»، مقاومته لعدة أسباب، أهمها فقدان صدقيتها في الشارع العربي في شكل عام، جراء الانحياز الكامل لمصلحة الحزب الضيقة، على رغم تداعيات الثورات التي كانت نتائجها عكسية على أهداف التنظيم، حتى شاهدنا للمرة الأولى منذ ولادته وقوف غالبية الشعوب ضده، بعد أن كانت الرافد لنشاطاته! الأمر الثاني، إعــلان الحكومات في دول «الحصار» الحرب علينا، والتي يبدو أنها تختلف من حيث الشكل والمضمون عن سابقاتها، ولعلك تعي أننا هذه المرة نواجه الجميع في سبيل الحزب، بلا ظهير يحمي جنابنا، بعد أن وقعت السلطة القطرية في شراك حبائلها وحساباتها الخاطئة، إذ غرهم بانتفاخهم الغرور.

للمناسبة. أرجو يا «أخي» ألا تعوّلوا كثيراً على الدور التركي وأنتم تقرأون الأحــداث، فالبراغمـــاتي الذي يعتلي سدة السلطة هنــاك ليس أسهل عنده من قلــب ظهر المجن لنا ولإخـــواننــا الذيــن سبقـــونا في الاحتفاء بـــه، فكـــل الوقـــائع تؤكـــد أنه ينظر إلينا بمنظـــور المصلحة فقط، فنحن، ومــن خلـــفــنا الحـــزب، لسنــا سوى عتبة في سلم صعوده، والذي يظهـــر أنه تخطاها بعد أن داس عليها إلى الخطوة التي تليها.

بناء على ما تقدم، وعلى رغم شبهة الاقتراب من سلطة قطر في هذه المرحلة، فإنه لا مفر من الوقوف إلى جانبها، إذ ينبغي جرها قدر ما تستطيعون إلى خندق الجماعة، وبالطرق كافة التي تكفل استمرارها في العناد والمكابرة، إذ إن خروج قطر منه بمثابة إعلان وفاة جماعة الإخوان المسلمين! في طريقكم إلى ذلك عليكم اللعب على وتر الطموح لدى السلطة القطرية، وذلك بتخويفهم من الخسارة، وأنها تمثل انكفاءهم وتضعضع أدوارهم وعودتهم إلى الكراسي الخلفية. وهذا وحده كفيل بتبعية القرار القطري لمنهج الإخوان، بالنظر إلى نفسية شيوخ قطر ما بعد الانقلاب، التي بلغت الـ «أنا» فيها مبالغ متضخمة جداً.

اختتــاماً، إخوانكم في السعودية يثمنون لكم جهودكم التـــي تبذلونها، معلنين التهدئة - تكتيكياً - نظراً إلى الضــغوط التي تمارس عليهم، سواء من الناحية الشعبية، التي اكتشفـت تناقضات الأعضاء «الكثيرة»، حتى لم تعد تنطلي حيلة الثوب القصير واللحية الكثة، أم من جهة الدولة، التي يبدو أنها تسعـــى حثيثاً إلى قطف بعض الرؤوس التي أينعت، بعد أن ضاقـــت ذرعــاً بالممارسات الرامية إلى شق الصف. والسلام.

 

 

* كاتب سعودي

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة