|   

النسخة: الورقية - دولي

يستدعي الفيلم السينمائي «لهيب الحرب 2» الذي أصدره أخيراً تنظيم «داعش» الإرهابي، من العاملين على تظهير صورة الإسلام الحقيقي، أن يسارعوا إلى صناعة فيلم موازٍ يقدم تفنيداً لمزاعم «داعش» الذي جعل النصوص الدينية ركناً أساسياً في فيلمه المشغول باحترافية عالية، وكأنه طالع من استوديوات هوليوود.

الفيلم أعدّ بالإنكليزية، ما يعني أنه موجّه للجمهور الغربي، واشتمل على أعلى ذروة من ذرى التوحش الإنساني التي عجزت الأفلام عن مقاربتها. فلا يمكن أن يُصدَّق هذا الاحتفاء المريض بجزّ الأعناق وتعليق الرؤوس على الأكتاف، وتصويرها بتقنية عالية الدقة باستخدام المؤثرات البصرية بمهارة واحتراف.

وعلى رغم أنّ مشهــــد إحراق الطيار الأردني معاذ الكساسبة في شباط (فبراير) 2015 أثار احتجاجات واسعة على المستوى العالمي، ودانته المرجعيات الدينية كلها، وشعر الوعي الإنساني حينذاك بالتقزز من هذا السلوك المتوحش، إلا أنّ ذلك كله لم يفتّ في عضد التنظيم الإرهابي، فكرّر فعلته بإحراق الطيار السوري عزام عيد، الذي أسر بعد سقوط طائرته في مناطق التنظيم قرب تل دكوة، في نيسان (أبريل) 2016.

وكان «داعش» أحرق من قبل جنديين تركيين، كانون الثاني (يناير) 2016، بعد أسرهما قرب مدينة الباب شمالي حلب. كما أحرق في حزيران (يونيو) 2016، 19 فتاة إيزيدية في مدينة الموصل العراقية، بعد وضعهن داخل أقفاص في إحدى ساحات المدينة.

وبعيداً من سياسة الإنكار والمبالغة، التي تزعم أنّ «داعش» فقد أراضيه، وأنه لم يعد له وجود في سورية والعراق، وبعيداً أيضاً من الزهو بأن التنظيم الإرهابي انتهى، فإنّ ما تضمنه «لهيب الحرب 2» من وقائع يثبت أنّ «داعش» ما زال يحتفظ بقدرات كبيرة على إلحاق الأذى بالبشر والدول، وربما سيكون رده المقبل، أشد شراسة من ذي قبل، لأنه فقد عناصر كثيرة في المواجهات الأخيرة، وهذا، ربما، ما يبرّر المبالغة في تصوير مشاهد العنف التي لا يقوى الإنسان العادي على مشاهدتها. ففي السينما يوضع تحذير لغير البالغين بعدم مشاهدة مقاطع معينة تمتاز بالوحشية، فما بالك بالواقع، حيث يحفر جنود قبورهم، ثم يركعون، كما أراد منهم المخرج، ويضع ملثمون المسدسات على رؤوسهم، ويطلقون في وقت واحد النار عليها لتتدحرج الأجساد في الحفرة بطريقة بطيئة متقنة فيها مقدار مخيف من التلذذ بالموت وبشاعته.

ومع قتل كل شخص، ومع حزّ كل عنق، ومع تعليق كل رأس على جسد صاحبه، ومع تركيز الكاميرا على مشهد العينين المليئتين بكل ما العالم من ذعر، تندلع الأناشيد الدينية، وتظهر على الشاشة الآيات القرآنية وخطب «فقهاء التنظيم» الذين يسوّغون ما حصل باعتباره استحقاقاً لكل من ألحق الأذى بالمسلمين.

من أجل ذلك كله، وجب التنبيه إلى خطورة الصمت عن هذا الفيلم المرعب، وضرورة العمل على تفنيده، والتوجه إلى الغرب والمجتمعات المتحضرة برواية أخرى تقدم الإسلام المعتدل، وتكشف قواعد التعامل مع الأسرى في الحروب، والكشف عن تهافت المصفوفة الفقهية الاجتزائية التي يعتمد عليها التنظيم في تبرير توحشه، وإضفاء ملمح شرعي عليه.

ولا يبدو أن لدى متوحشي «داعش» ما يخسرونه، فهم في كل الأحوال موعودون بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر ببال، وبالتالي فإنّ تفخيخ الدنيا في نظرهم، عمل جهادي، في الأحوال الطبيعية، فما بالك إذا كان التنظيم جريحاً ويائساً ويتصرف مثل ذئب تنزف منه الدماء. إنه لن يكتفي حينذاك بتفخيخ الدنيا، بل والدين أيضاً، وهذا هو الرعب الحقيقي الذي نحذّر من ويلاته وشروره.

 

 

* كاتب وأكاديمي أردني

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة