|   

النسخة: الورقية - دولي

يفرض مشهد الانتخابات العراقية المقررة في أيار (مايو) المقبل حضوره الطاغي على الساحة العراقية، ليس فقط في الأوساط السياسية التي بدأت حملاتها مبكراً عبر محاولة إعادة إنتاج نفسها كممثل وخادم لجمهورها الذي انقطعت عنه لأربع سنوات مضت، أو تلك الساعية إلى كسر احتكار الأحزاب التقليدية لمقاعد البرلمان والحكومة، بل على المستوى الاجتماعي والاقتصادي أيضاً.

ولا خلاف على أن الانتخابات العراقية المقبلة، قد تكون الأخطر والأكثر حساسية من سابقاتها، فهي تأتي في ظرف مغادرة الحرب على «داعش» وبدء المواجهة المفتوحة مع مطالب الناس واحتياجاتهم واستحقاقاتهم المؤجلة على خلفية تلك الحرب، مثلما تأتي في ظل مزاج إقليمي مندفع بشكل متزايد لفتح صفحة جديدة في العلاقة مع العراق، يمكن وصفها بمرحلة «إعادة تموضع» جديدة لمجمل توازنات دول الشرق الأوسط وموقع عراق ما بعد «داعش» فيها.

يمكن الحديث عن أن التدخل الخارجي في حسم نتائج صناديق الاقتراع، الذي بدا واضحاً في التجارب السابقة، سينحسر في هذا الموسم، من دون أن يختفي، لكن الحضور الإيراني والأميركي يتداخل معه باضطراد الحضور الخليجي والتركي، لن يكون بعيداً عن أجواء ما يطلق عليها «انتخابات ما بعد الانتخابات».

المعركة الكبرى والطويلة المتوقعة لترجمة نتائج صناديق الاقتراع إلى حكومة جديدة، تسيطر على اهتمام الجميع في العراق قبل أكثر من شهرين من فتح تلك الصناديق، فأفضل التكهنات لا تذهب إلى قدرة أي تكتل انتخابي تجاوز حاجز 60 مقعداً من مجموع 329 مقعداً برلمانياً، فيما تشير التقديرات الأولية إلى خارطة كبيرة من القوى والأحزاب والتكتلات سوف تتحرك ما دون 15 مقعداً.

ما يفتح الباب على حملة سياسية كبيرة لتشكيل ائتلاف حكومي معقد ومترهل وغير منسجم. في ظل هذه الأجواء، تبدو أوساط سياسية قلقة من انفتاح الوضع السياسي على سلسلة أزمات تبدأ أولاً بصعوبة اختيار رئيس جمهورية جديد يحوز على اتفاق ثلثي أعضاء البرلمان، وهي الخطوة التي سوف تتداخل فيها الاختلافات المتصاعدة بين القوى الكردية التي اختارت المنصب في النسخ السابقة من جهة، ورغبة السنّة بنيل المنصب وصعوبة اتفاقهم على مرشح محدد له، ناهيك عن موقف القوى الشيعية التي سيكون وجودها أساسياً للوصول إلى حاجز الثلثين.

لكن معركة الرئيس لن تكون سوى غطاء لمعركة رئيس الحكومة، المنصب الذي يوصف أحياناً بأن الانتخابات برمتها تدور حول حسمه، بسبب حجم الصلاحيات الموكلة إليه. ومع أن رئيس الحكومة الحالي حيدر العبادي يمتلك فرصاً كبيرة لنيل ولاية ثانية، إلا أن معركة الإطاحة به تبدو مستعرة خصوصاً في أوساط التحالفات الشيعية الخمسة، التي يتوقع أن تتقاسم نسبة كبيرة من مقاعد البرلمان.

لهذا تحديداً تبدو مرحلة ما بعد ظهور نتائج الاقتراع أكثر حساسية، وحسمها يعتمد على قدرة أطراف وشخصيات مختلفة في جمع أكبر عدد من التحالفات وإقناع القوى الصغيرة، وعقد صفقات حول تقاسم الوزارات والمناصب.

أمل القضاء على المحاصصة الحزبية، لا يبدو قريباً، فالقوى التي ستخوض مفاوضات ما بعد الانتخابات، ستعيد إنتاج معادلة تقاسم المناصب في الوزارات والهيئات والجيش والشرطة، وصولاً إلى المدراء العاميين، وربما رؤساء الأقسام في الدوائر المختلفة، وسيكون على رئيس الوزراء القادم إقناع خريطة 2018 الحزبية التي سوف تتوزع على انحيازات ومطالب معقدة من الصعب إرضائها.

الخبر السيئ أن هذه البيئة نفسها ستحتم منح القرار الخارجي دوراً حاسماً في صنع معادلة الحكومة، وهو الأمر الذي شكل على الدوام جرحاً في مشاعر العراقيين الذين راقبوا سياسييهم يهرولون بعد نزع قناع الكبرياء الوطني نحو إيران للاتفاق النهائي.

لكن ثمة خبر جيد أيضاً مفاده أن البنية الحزبية التقليدية في العراق قد تفككت وفي طريقها إلى إعلان إغلاق دكاكينها، والأحزاب التي وضعتها ظروف عام 2003 في صدارة المشهد العراقي، استنفذت كل أسلحتها الطائفية والقومية وفرغت مشاجبها من بارود الكراهية، وأنها ستكون بمواجهة واقع جديد وغضب شعبي عارم، في حال افترضت أن العراقيين الذين لدغوا من المحاصصة ثلاثاً سيصمتون عن الرابعة.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة