|   

النسخة: الورقية - دولي

لم يتوقع أشد المتفائلين هذا التقارب المتسارع الذي يحدث بين العراق ومحيطه العربي، وخصوصاً الخليجي، فمستوى الصراع الإقليمي والتداخل الإيراني والأميركي في القرار العراقي، ناهيك عن أجواء سوء الفهم التي طغت على الأحكام والمفاهيم العربية حول العراق لم تكن تسمح بتوقع الكثير. المعادلة ساهم في تكريسها أخيراً متغيران حاسمان، الأول هو القرار السعودي بإعادة زخم العلاقات الأخوية مع العراق سياسياً واقتصادياً بعد عقود من التشنج، والثاني تكرسه البيئة الحكومية العراقية التي سمحت بترجمة المزاج الشعبي حول تلك العلاقة بصورة مختلفة عن ترجماتها السابقة. ويمكن الخوض مطولاً في تفاصيل متغيرات دولية وإقليمية أخرى فرضها ظهور تنظيم «داعش» واستيلاؤه على مساحات واسعة من أرض العراق، وتبلور اتفاق عام على أن دعم بغداد لاستعادة موقعها الإقليمي هو الطريق المختصر ليس فقط لمحاربة تغوّل المجموعات المتطرفة، وإنما لإبقاء التوازن القلق بين قوى الشرق الأوسط في مستويات معقولة وبما لا يسمح باستخدام العراق أداة لضرب ذلك التوازن.

الخطوة الحاسمة التي قطعتها السعودية، تتعلق بالمضي قدماً نحو تجاوز كل الشكوك والظنون والمعلومات المتضاربة وأحياناً المغلوطة حول العراق، التي غلفت المراحل السابقة للوجود في قلب بغداد العربية والدفاع عن هذا الوجود، والانطلاق من بغداد باتجاه البصرة قبل الموصل، وباتجاه النجف قبل الرمادي. المبادرة السعودية، لقيت في العراق ما يناسبها من ترحيب، وللمرة الأولي صار بإمكان البصرة ذات الوجه الخليجي أن تحتفي بضيوفها السعوديين، مثلما تفتح النجف حيث مركز وعقل التشيع العالمي، ذراعيها لخطوات افتتاح قنصلية سعودية.

ليس الأمر مصادفة، ففي واحدة من أكبر الهجرات التي واجهها العراقيون خلال مرحلة الحرب الأهلية 2006– 2008 وجد نحو خمسة ملايين عراقي نصفهم من شيعة العراق أنفسهم يتوجهون غرباً باتجاه العرب، لا إيران، بحثاً عن ملاذ آمن، ليس لأن إيران التي لم تسجل أي حركة نزوح عراقية منذ العام 1990 لم ترحب بهم، بل لأن العراقي لا يمكن أن ينتمي إلا إلى ذاته، وتلك الحقيقة الجوهرية كان قد تبارى كتاب عرب للأسف لطمسها وعدم تقييمها في معرض الترويج لفصل طائفي يحدد سياق الصراع في المنطقة.

اليوم في العراق، هناك من يعارض التقارب مع العرب، وخصوصاً في نسخة العلاقة الحميمة مع السعودية، ويستخدم الترسانة الطائفية نفسها التي قادت إلى ارتفاع الأسلاك الشائكة في جسد العراق تمهيداً لظهور خرائط جديدة في صميمه، بينها خريطة «داعش– 2014». بالطبع يروج المعارضون ضمناً وعلناً إلى أن مصير هذا البلد تحدده أجندة المصالح الإيرانية، فهو ذراع في «محور إيران» ولا يصلح أن يكون «محوراً» بذاته! ويطرحون مقاربات طويلة عن الثورة الإسلامية، وعودة روسيا، واستمرار نظام الأسد، وسلاح حزب الله، ومعادلة الحوثيين، من دون أن يتطرقوا إلى العراق نفسه وفي حال يمكنه أن يصنع مقارباته الخاصة، والتي ليس من بينها بالطبع أن يكون «إيرانياً».

أن يكون العراق عربياً بالمعنى الذي فهمه «حزب البعث» ليست «الوصفة السحرية» كما افترضها القوميون العرب، فلم يعد بإمكان التاريخ احتمال إقصاء جديد لكرد العراق وتركمانه وشبكه وأشورييه وصابئته من معادلة الهوية العراقية، وذلك حتف يشبه حتف أن يكون «شيعياً» أو «سنياً».

الأجيال العراقية الجديدة بدأت تفهم العراق اليوم باعتباره «عراقياً» وهذا الفهم الواضح للهوية، هو المدخل الوحيد للحفاظ على التعايش بين العراقيين أنفسهم، ومع محيطهم، في نطاق إعادة رصف حدود وقواعد ومنطلقات وأولويات «الدولة». وأن يكون «العراق عراقياً» يمثل كما نزعم اليوم غاية الانفتاح العربي باتجاه بغداد ومقصده وجوهره، كما أنها منهج دستوري عراقي، وسيكون أمام العراقيين مهمة طويلة ومعقدة وعمل شامل لإجبار إيران وتركيا على تبني الرؤية ذاتها.

العلاقة المتوازنة للعراق مع جيرانه وأشقائه ومع دول العالم، ومنع تداخله في أزمات المنطقة ومحاورها، بل وأن يكون معبراً ومقراً لحل الأزمات وتنفيس الاحتقانات، والتركيز على بناء ما هدمته السياسات الإقصائية، وسوء فهم قادة العراق لشعبهم وانتماءاته وأولوياته وطموحاته، هو المسار الوحيد الممكن للحديث عن الدولة العراقية اليوم .. وغداً.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available