|   

النسخة: الورقية - سعودي

يروى في أدبياتنا أن من أطال الغياب عاد بالغنائم (يقال باللهجة المحلية: من طول الغيبات جاب الغنايم)، ومن المعروف أن الغنائم مرتبطة من حيث الدلالة بالحرب، ولكن يبدو لي أنها هنا وردت على سبيل الاستعارة المكنية.

هذا ليس موضوعنا، الموضوع يتخلّص في السؤال الآتي: بماذا عاد لنا ولي العهد الأمير محمد بن سلمان من زياراته التي امتدت من الشرق إلى الغرب، بدءاً من مصر ومنها إلى المملكة المتحدة، ثم إلى الولايات المتحدة، ثم إلى فرنسا، ثم انتهاءً بمملكة إسبانيا؟

أول الغنائم هو توثيق علاقات الأخوة والصداقة بهذه الدول المؤثرة إقليمياً ودولياً، لاسيما وأن الشرق الأوسط يشهد أحداثاً مقلقة، وتقلبات في المناخ السياسي، نتيجةً للتدخلات السافرة في الشؤون الداخلية للدول، والممارسات العدائية التي تنتهجها بعض الدول كإيران، ووجود أحزاب وجماعات إرهابية تسعى إلى تقويض أمن واستقرار المنطقة محتمية بعدد من الدول ومدعومة منها، إضافة إلى تأزم الأوضاع في الدول التي تأثرت بثورات ما يعرف بـ«الربيع العربي» كسورية وليبيا، فتوثيق العلاقات مع تلك الدول المؤثرة، يقطع الطريق على قوى الشر التي تحاول أن تستغل علاقاتها الدولية للحصول على دعمٍ أو غطاءٍ دولي لممارسة أجنداتها السياسية والفكرية المتطرفة

في المنطقة.

من الغنائم أيضاً مناقشة أخطاء الماضي بغية إصلاحها، وأقصد الأخطاء السياسية التي كادت أن تعصف بالمنطقة وبالعالم أجمع، ويبرز من هذه الأخطاء؛ عقد الاتفاق النووي مع إيران (اتفاق إيران مع مجموعة 5+1)، الذي أُبرم في عهد الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، ورفع العقوبات الاقتصادية عنها تبعاً لذلك، فمن الملاحظ - حالياً - أن الرأي الدولي يتجه إلى إنهاء هذا الاتفاق، وهذا هو التوجه الأميركي، أو فرض عقوبات جديدة على إيران للحؤول دون إنهاء الاتفاق وهو توجه عدد من الدول الأوروبية، وفي كلتا الحالتين فإن دول المنطقة مستفيدة.

خطأ آخر يتمثل في تواري الولايات المتحدة عن النزاع المحتدم في سورية، بين نظام وحشي فقد شرعيته بـ«الثلاث»، مدعوما من روسيا وإيران وأذرعها الحزبية، وبين الشعب السوري الذي لا يتطلع إلى أكثر من حقوقه المشروعة، إذ يتمثل إصلاح هذا الخطأ في العودة القوية والحازمة للولايات المتحدة إلى مسرح الأحداث في سورية! ولم تكن الضربة الأميركية الموجهة للنظام السوري، والتي جاءت بمشاركة من بريطانيا وفرنسا، إلا رسالة شديدة اللهجة إلى روسيا وإيران قبل أن تكون رداً على استخدام النظام السوري للأسلحة الكيماوية.

غنيمة أخرى تتمثل في إبراز الصورة الناصعة للسعودية في مجالات الحكم السديد، وحقوق الإنسان، ونبذ الإرهاب والتطرف، وتعزيز التسامح والتعايش وغيرها من المجالات، وقد رأينا بجلاء نتائج الجهود الجبارة المبذولة لتحقيق هذا الهدف الذي أصبح واجباً وطنياً وليس مجرد حق مشروع، بعد أن سعت عدد من الدول والمنظمات والأحزاب ووسائل الإعلام إلى إبراز صورة مشوهة للسعودية وتنميطها في الذهنية الغربية، كاتهامها بانتهاج انتهاكات حقوق الإنسان، وربط قيمها وثقافتها وسياستها بالتطرف والإرهاب، وغيرها من المحاولات البائسة التي لم ولن تصمد أمام الحقيقة التي سعت تلك الزيارات إلا إبرازها.

كما تعد الاتفاقات والتفاهمات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي نتجت عن تلك الزيارات من أهم الغنائم التي عاد بها ولي العهد، لاسيما وأن السعودية –حالياً– وعلى جميع المستويات والمجالات، تعمل على تنفيذ رؤيتها الوطنية (رؤية المملكة 2030)، فتلك الاتفاقات والتفاهمات العابرة للقارات سيكون لها بالغ الأثر في تحقيق التنمية المستدامة التي سينعم بها الوطن والمواطن، وتعزيز القوة العسكرية، والقدرات الوطنية الصناعية وغيرها من المجالات التي تشملها.

هذه ليست كل الثمرات المتحققة من زيارات ولي العهد، والتي عبرت عنها بـ«الغنائم»، بل أكاد أجزم أنني لم أستحضر إلا الشيء القليل منها، وبناءً على متابعاتي وتحليلاتي التي هي بالتأكيد غير محيطة بكل ما تحقق من نتائج لهذه الزيارات.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة