|   

النسخة: الورقية - دولي

بعد انقضاء أكثر من قرن على تدشين العلاقات السعودية - الروسية بواسطة الأمير فيصل بن عبدالعزيز، قام من بعده الملك سلمان بن عبدالعزيز هذا الأسبوع بتجديد تلك الصداقة التي تجاوزت كل الحساسيات السياسية القائمة بين نظامين مختلفين.

لهذا اكتسبت هذه الزيارة الرسمية أهمية إضافية تميزت باستكمال ما بدأه الرئيس فلاديمير بوتين مع الأمير سلطان بن عبدالعزيز، ومن بعده الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد ووزير الدفاع.

ويُستفاد من مراجعة سجل العلاقات بين الرياض وموسكو أن بوادر الانفراج السياسي بدأت عقب استخدام سلاح النفط في حرب 1973. وجاء تأييد الاتحاد السوفياتي لهذه الخطوة كمدخل لتعديل لهجة التخاطب التي دأبت السعودية على استخدامها في المناسبات الرسمية. وأكبر دليل على ذلك أن الملك فيصل بن عبدالعزيز أرسل برقية إلى زعيم هيئة المجلس السوفياتي الأعلى نيكولاي بودغورني يهنئه فيها بحلول الذكرى 56 للثورة البولشفية. وتزامن توقيت إعلان البرقية مع أول زيارة يقوم بها للرياض وزير خارجية أميركا هنري كيسنجر. وفسرت صحيفة «واشنطن بوست» تلك البرقية بأنها مؤشر واضح على احتمال فتح السعودية علاقات ديبلوماسية مع النظام الشيوعي.

عقب اغتيال الملك فيصل، عادت مؤشرات الانفتاح تظهر عبر تصريح خصّ به الملك خالد بن عبدالعزيز صحيفة «صانداي تايمز» مفاده: إنه يعتبر الاتحاد السوفياتي دولة عظمى مؤهلة للعب دور مؤثر يمكنه المساهمة في حل النزاع العربي- الإسرائيلي. ورأت الصحف الأميركية في ذلك التصريح تحدياً لسياسة واشنطن التي تحتكر عملية حل النزاع، وتستبعد الاتحاد السوفياتي من كل التسويات. ومن أجل إعطاء كلام الملك خالد مزيداً من الصدقية، أعلن ولي العهد في حينه الأمير فهد بن عبدالعزيز أن المملكة لا تمانع في تطبيع علاقاتها الديبلوماسية مع موسكو وسائر عواصم الكتلة الشرقية.

قبل أن يتحقق التحول الديبلوماسي، حدث الغزو السوفياتي لأفغانستان (1979)، الأمر الذي أنهى حظوظ تلك الاحتمالات. ونتج من ذلك الاجتياح ظهور حركة «المجاهدين» التي تبنتها المملكة، وظلت تدعمها حتى شتاء 1988. أي إلى حين زار الأمير سعود الفيصل نظيره السوفياتي إدوارد شيفارنادزه في موسكو، واتفق معه على إيجاد مخرج سلمي. وكان من نتيجة ذلك اللقاء سفر مدير قسم الشرق الأوسط في الخارجية السوفياتية فلاديمير بولياكوف إلى المملكة بهدف استكمال محادثات الحل. واعتبرت الصحف ووسائل الإعلام تلك الزيارة بمثابة حدث سياسي بالغ الأهمية لأن بولياكوف كان أول مسؤول سوفياتي يزور الرياض بعد قطيعة استمرت نصف قرن.

وقد أثمرت تلك الزيارات وصول وفد كبير إلى المملكة برئاسة يوري فورنتسوف بغرض الاجتماع بالمجاهدين الأفغان، والتعاون معهم على إنهاء حال الاحتراب. وهذا ما حدث بالفعل في 18 شباط (فبراير) 1989، عندما انسحبت القوات السوفياتية معبدة الطريق أمام ميخائيل غورباتشوف لتدشين سياسة جديدة تجاه السعودية وحلفائها في باكستان ودول الخليج.

بعد معاناة طويلة تحملها رئيس روسيا الجديد، وقد وضعت البلاد على شفير الإفلاس خصوصاً أن شبح الفوضى العارمة كان يخيّم على كل المؤسسات الرسمية والخاصة، بعث إلى الرياض وزير العلاقات الاقتصادية الخارجية قسطنطين كاتوشيف ليطلب قرضاً مستعجلاً لدفع مستحقات مؤجلة.

وعلى الفور أرسل الملك فهد بن عبدالعزيز وزير الخارجية الأمير سعود الفيصل ووزير المال محمد أبا الخيل لتقديم قرض مالي غير مشروط مقداره أربعة بلايين دولار.

وكانت تلك المبادرة بمثابة المدخل الذي أطلت منه الدولتان على آفاق التعاون في مختلف المجالات.

ويبدو أن الاحتقان الداخلي الذي أفرزته الفوضى شجع بوريس يلتسن على تسلم مقاليد الحكم في وقت كانت الولايات المتحدة تعمل على تقوية نفوذها في الدول المنشقة عن روسيا. ولقد أدى هذا الوضع المقلق إلى نجاح القوميين والشيوعيين السابقين في الانتخابات الروسية. ونتج من ذلك التحول قبول يلتسن بالمقايضة على أوروبا الشرقية لقاء ابتعاد موسكو عن الشرق الأوسط.

ولكن المرض الذي أرهق يلتسن، ودفعه إلى استدعاء الدكتور مايكل دبغي لمعاينته في موسكو، أقنعه بضرورة تسليم مقاليد الحكم إلى أقرب الأشخاص المؤتمنين لديه. وهكذا أطل بوتين من وسط هذه الأزمة الصحية ليرث الحكم في شكل تدريجي بدأه بإنهاء ثورة الشيشان.

وبدلاً من تطبيق سياسة يلتسن، فقد رفض «القيصر الجديد» الابتعاد من أوروبا الشرقية أو التنازل عن دور بلاده في الشرق الأوسط.

بعد مرور مرحلة تثبيت النظام الداخلي، قرر الرئيس فلاديمير بوتين تعزيز مكانة بلاده على الساحة الدولية. وبما أنه يؤمن بأهمية منطقة الشرق الأوسط، فقد باشر جولاته الخارجية الأولى بزيارة المملكة العربية السعودية. وكان ذلك في 11 شباط (فبراير) عام 2007.

وقد أجاب وزير الخارجية سيرغي لافروف في حينه على أسئلة مراسل «الحياة» حول طبيعة تلك الزيارة وأهدافها السياسية والاقتصادية، فقال:

«هذه الزيارة الأولى للرئيس بوتين إلى السعودية. وهي الأولى أصلاً لأي رئيس روسي إلى منطقة شبه الجزيرة العربية منذ تسعينات القرن الماضي. وقد أصبح تحقيقها ممكناً بعد التطور المهم الذي طرأ على علاقاتنا مع الرياض. خصوصاً أننا نعتبر أن العلاقة مع المملكة لها أهمية كبرى... ليس لأنها تتمتع بمكانة بارزة على الصعيدين العربي والإسلامي... ولا لأنها تملك إمكانات مالية واقتصادية فائقة الأهمية، بل لأن هناك تطابقاً في الحلول المطروحة لحل مشكلات الشرق الأوسط، بدءاً بالقضية الفلسطينية... مروراً بمشكلة مكافحة الإرهاب وانتهاء بالمعالجات السياسية الإقليمية الرامية إلى توفير الأمن والاستقرار في المنطقة».

بعد مرور عشر سنوات على زيارة بوتين المملكة، شباط (فبراير) 2007، لبى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز دعوة الرئيس الروسي، حيث استقبل في موسكو بحفاوة بالغة اشترك فيها كبار المسؤولين. وقد أجرى الطرفان محادثات سياسية واقتصادية تتعلق بالأزمات الإقليمية والدولية، مع توقيع حزمة اتفاقات ثنائية كان الأمير محمد بن سلمان قد مهّد لها أثناء لقائه مع بوتين في بطرسبرغ.

وجرت العادة أن يبدأ كل مسؤول سعودي محادثاته مع المسؤولين الروس بالتذكير أن الاتحاد السوفياتي كان أول دولة تعلن اعترافها رسمياً بالمملكة العربية السعودية. ففي شباط (فبراير) 1926 سلم كريم حكيموف القنصل المفوض في جدة الملك عبدالعزيز بن سعود شهادة اعتراف بشرعية ملكه على الحجاز ونجد وملحقاتهما. وفي عام 1938 أمر ستالين بسحب البعثة الديبلوماسية لأسباب مجهولة.

ويحتفظ أرشيف الرياض بحكاية أول زيارة قام بها لموسكو الأمير فيصل بن عبدالعزيز عام 1932 ضمن جولة شملت فرنسا وبريطانيا وتركيا وبولندا. وقد مهّد لها وكيل الأمير ومستشاره الخاص السفير فؤاد حمزة برسالة تسلمها منه شاكر اسماعيلوف، القائم بأعمال مفوضية الاتحاد السوفياتي في المملكة.

ولما جاءت الموافقة، وحدد برنامج الزيارة، انتقل الأمير فيصل (كان عمره 17 سنة) بالقطار من بولندا يرافقه فؤاد حمزة وحاشية مؤلفة من سبعة أشخاص، ليجد في استقباله بمحطة موسكو رئيس القسم الشرقي الأول لمفوضية الشعب للشؤون الخارجية سيرغي ياستوخوف، وكريم حكيموف، المفوض السابق في جدة.

وكانت محطة سكة حديد «بيلوروسكو» مزدانة بشعارات الترحيب، مع رفع راية المملكة وعليها عبارة «لا إله إلا الله، محمد رسول الله».

واللافت أن كل هذا جرى بموافقة مجلس السوفيات الأعلى في وقت كان الحزب الشيوعي يهيمن على كل مؤسسات الدولة. لهذا استقبل الأمير فيصل ميخائيل كالينين، رئيس اللجنة التنفيذية، وأجرى معه محادثات تتعلق بتطوير العلاقات بين الدولتين.

وقيل في حينه إن سياسة موسكو الخارجية كانت منصبة على إضعاف النفوذ الغربي في الشرق الأوسط.

بعد مرور 85 سنة على تلك الزيارة، جاء الملك سلمان بن عبدالعزيز إلى موسكو ليرسخ العلاقات التي دشنها أخوه الأمير فيصل بن عبدالعزيز (الملك لاحقاً)...

 

 

* كاتب وصحافي لبناني

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة