|   

النسخة: الورقية - سعودي

< الاختلاف من سنن الحياة، ولولاه لما تميزنا وتطورنا، فمن الصعب أن نتفق على كل الأمور تماماً، وفي المقابل من الخطأ أن نختلف على كل شيء دوماً.

حركة النقد في المجتمعات هي التي تنهض به، وتضخ الأفكار الجديدة فيها، في كل حراك حولنا هناك فاعلون وهناك مستقبلون وهناك مشاهدون وهناك ناقدون، تنظيم العلاقة هنا يكفل نجاح الأمر وتطور أبجدياته وبث الروح الجديدة فيه.

لكن، ما يلاحظ أخيراً على مجتمعاتنا العربية في شكل عام، ومجتمعنا في شكل خاص، أننا أصبحنا نضيق ذرعاً بكل انتقاد، ونرفض كل رأي مخالف، وفي المقابل أصبحنا نقرأ هجوماً وتصيداً أكثر منه نقداً وملاحظات.

خطأ يتحمله الطرفان، فكلاهما مخطئ، وكلاهما لا بد له من إعادة قراءة المشهد حواليه، ليعرف أين هو؟ وماذا يراد منه؟ لذا، لا بد من إعادة صياغة خطابنا النقدي، ولا بد من إعادة النظر في آليات الحوار بيننا.

من الطبيعي - كوننا بشراً - أن نخطئ، ومن الطبيعي أن يأتي أحدهم ويخبرنا بذلك، ونحن حينها لا بد أن نتنازل عن الكبرياء ونعترف بالخطأ ونتراجع عنه، ونكون معاً يداً بيد وقلباً على قلب.

أكثر شيء يفسد وجهات النظر والملاحظات على السلوك والأداء عندنا هي لغة التعميم، وكأن الكل سواسية، خطأ فردي لأحدهم نتهم به الكل، وكأن الكل يرتكب الخطأ نفسه، وأيضاً لغة التشفي في النقد، وكأننا في معركة ولا بد من القضاء على طرفها الآخر! وفي ظل وسائل التواصل الجديدة جاءنا التجييش كأسوأ ما يكون، ويتداعى الكل لتبني قضية وصب الزيت عليها نصرة لأشخاص، من دون معرفة الجوهر فيها وماهيتها وتداعياتها!

ولا شيء يرهق في نقدنا وحواراتنا كالدخول في النيات وتأليب البعض علينا، وبخاصة أصحاب القرار، لا لشيء، ولكن لتصفية حسابات والدخول في مزايدات لا طائل منها.

متعب جداً، عندما يستخدم الدين والوطن في حواراتنا في شكل غير موضوعي، بل ومن خلال أساليب تجعل بعضنا في خانة المتهمين والخارجين والمارقين، وهم بلا حول ولا قوة.

الحوار والنقد وجدا للإصلاح والتراص والحفاظ على الكيان من أي سوس يحيط به أو يتسلل إليه، ومتى حادا عن الطريق المرسوم لهما تداعى البنيان كله ودخلنا في صراعات لا «كلمة سواء» فيها ولا منها! نظرة بسيطة إلى الحوارات عن الطائفية والتصنيفات الفكرية وقضايا المرأة مثلاً عندنا تخبرك حينها أننا في واد غير ذي زرع، وتأمل بسيط لما يحدث في الساحة الإعلامية من تراشقات بين كبار حول قضايا جدلية تخبرك عن التيه العظيم والضلال الأكبر. والغريب الآن أن تغريدة بسيطة تفعل ما لا تفعله محاضرة ولا يفعله كتاب ولا تصنعه مقالة! وتأتي وسائل الإعلام بكل أشكالها وتتخذ من هذه التغريدة منطلقاً لبرامجها وقصصها وأخبارها، فيخترعون القصص ويبحثون عن النشاز ويعرضون عن القول الفصل ويطرقون باب كل إثارة، وفجأة ينتهي الحوار بلا قول عدل ولا رأي جازم ولا اعتذار طرف ولا قبول طرف، ليبدأ حوار آخر مع ضحية آخر؛ شخصاً كان أو مبدأ، وكان من الممكن إيقاف كل هذا من خلال تجاهلنا له وجعله يموت في مهده من دون أن نخوض فيه من قريب أو بعيد.

من يراقبنا من الخارج سيتساءل كثيراً، لِمَ دينهم كله قيم وحواراتهم بلا قيم؟ لمَ دينهم يقول اختلاف أمتي رحمة، ويرون في اختلافنا عذاباً!

كما قلت سابقاً، الاختلاف سنة كونية نراها في حياة الشعوب والأمم، ونرى كيف استطاع تغيير وإنهاض المجتمعات من خلاله، وبالتأمل في المنهج الغربي، تحديداً في النقد والحوار، نجد تفعيلاً لمبادئ مهمة في ذلك تنص على الموضوعية والصدقية في الطرح، والبعد عن الشخصنة والتأويل، الذي يفقد القضية اتزانها ويذهب بنا بعيداً عن الجوهر فيها

ويكون كل طرف على دراية بأن هناك قانوناً يحكم كل شيء، ومتى ما خرج الحوار على النص فلا بد من إيقاف كل طرف عند حده، وعودة الأمور إلى مسارها الطبيعي.

نحن في مرحلة لا تحتمل التفرقة، ولا تريد الدخول في صراعات داخلية، لأن هناك كثيراً من الخارج يتربص بنا، ويستغل مثل هذه الأمور فيزيدها اشتعالاً، وكأنه يخاف علينا، وهو والله من يريد الفساد والإفساد، لذا لننتبه إليهم ونلجمهم بسرعة ونحل ما بيننا بلغتنا البيضاء ذات القيم والمثل العليا.

 

taghreed_i_t@

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة